عمر السهروردي
217
عوارف المعارف
وبلغنا عن الشيخ حماد رحمه اللّه أنه كان يقول : البكاء من بقية الوجود . وكل هذا يقرب البعض من البعض في المعنى لمن عرف الإشارة فيه وفهم ، وهو عزيز الفهم ، عزيز الوجود . واعلم أن للباكين عند السماع مواجيد مختلفة . فمنهم من يبكى خوفا ، ومنهم من يبكى شوقا ، ومنهم من يبكى فرحا ، كما قال القائل : طفح السرور على حتى أنني * من عظم ما قد سرني أبكاني قال الشيخ أبو بكر الكتاني رحمه اللّه : سماع العوام على متابعة الطبع ، وسماع المريدين رغبة ورهبة ، وسماع الأولياء رؤية الآلاء والنعماء ، وسماع العارفين على المشاهدة ، وسماع أهل الحقيقة على الكشف والعيان ، ولكل واحد من هؤلاء مصدر ومقام . وقال أيضا : الموارد ترد فتصادف شكلا أو موافقا ، فأي وارد صادف شكلا مازجه ، وأي وارد صادف موافقا ساكنه ، وهذه كلها مواجيد أهل السماع ، وما ذكرناه حال من ارتفع عن السماع ، وهذا الاختلاف منزل على اختلاف أقسام البكاء التي ذكرناها من الخوف والشوق والفرح ، وأعلاها بكاء الفرح بمثابة قادم يقدم على أهله بعد طول غربته ، فعند رؤية الأهل يبكى من قوة الفرح وكثرته . وفي البكاء رتبة أخرى أعز من هذه ، يعز ذكرها ، ويكبر نشرها ، لقصور الأفهام عن إدراكها ، فربما يقابل ذكرها بالإنكار ، ويخفى بالاستكبار ، ولكن يعرفها من وجدها قدما ووصولا ، أو فهمها نظرا كثيرا ومثولا ، وهو بكاء الوجدان ، غير بكاء الفرح ، وحدوث ذك في بعض مواطن حق اليقين . ومن حق اليقين في الدنيا إلمامات يسيرة ، فيوجد البكاء في بعض مواطنه ، لوجود تغاير وتباين بين المحدث والقديم ، فيكون البكاء رشحا هو من وصف الحدثان لوهج سطوة عظمة الرحمن .